أبي منصور الماتريدي

523

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ما يرثون من أنصبائهم ، فيأكلونه جميعا . وقال بعضهم « 1 » : وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا ؛ ، أي : شديدا . وقوله - عزّ وجل - : وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا قال أبو بكر : أي : تحبونه حبا وفيا وافرا ليس فيه قصور ؛ فيكون فيه إخبار عن غاية حبهم الدنيا وشدة حرصهم عليها . وجائز أن يكون على التقديم والتأخير ، وهو أنهم يحبون المال الجم حبا ؛ أي : المال الكثير . وقوله : كَلَّا ؛ ردع وتنبيه : فمنهم من رد هذا الردع إلى قوله : رَبِّي أَكْرَمَنِ ، و رَبِّي أَهانَنِ ، فكأنه يقول : كلا ليست هذه الدار دار جزاء ؛ فيكون الإهانة والإكرام بحق الجزاء ، وإنما هي دار محنة وابتلاء . ومنهم من حمله على الابتداء ، فقال : كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا بمعنى حقا ، يخبر عن ندمه في [ تركه الإكرام لليتيم ] « 2 » ، وترك إطعام المسكين والحض عليه : إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ أي : دقت وكسرت ، وذلك يوم الحساب والبعث . وقوله : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا يحتمل أوجها : أحدها : أن يكون معناه : وجاء ربك بالملك ؛ إذ يجوز أن تستعمل الواو مكان الباء ؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى - : قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ [ المائدة : 24 ] ، ومعناه : بربك ، وإذا حمل على هذا ارتفعت الشبهة ، واتضح الأمر ؛ لأنه لو كان قال : وجاء ربك بالملك ، لكان لا ينصرف وهم أحد إلى الانتقال من مكان إلى مكان ، وقال - تعالى - : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ [ البقرة : 210 ] ، ومعناه - والله أعلم - : بظلل من الغمام ؛ لأنه قال في موضع آخر : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [ الفرقان : 25 ] ؛ فثبت أن معناه ما ذكرنا وإذا ثبت هذا ارتفع الريب والإشكال . ومنهم من ذكر أن معنى قوله : وَجاءَ رَبُّكَ ، وقوله : إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ [ البقرة : 210 ] ، أي : أمر الله ؛ دليله ما ذكر في سورة النحل قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ [ النحل : 33 ] ، فذكر مكان قوله : وَجاءَ رَبُّكَ : أَمْرُ رَبِّكَ .

--> ( 1 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير عنه ( 37170 ) وهو قول قتادة والضحاك أيضا . ( 2 ) في ب : ترك إكرام اليتيم .